يرى الباحث محمد صديق علي بيرزاده في تقريره أن الافتراض الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة بشأن حتمية انتصار الديمقراطية الليبرالية لم يعد ينسجم مع الواقع السياسي الراهن. فبدلًا من التراجع، طوّر الاستبداد أدواته وأساليبه، ونجح في التكيف مع المتغيرات الدولية، مستفيدًا من إخفاقات بعض النظم الديمقراطية في تلبية تطلعات مواطنيها، ليصبح أحد أبرز نماذج الحكم في القرن الحادي والعشرين.


ويشير التقرير الذي نشرته مؤسسة داون إلى أن الأنظمة الاستبدادية لم تعد تعتمد فقط على القمع المباشر أو حالة الطوارئ الدائمة، بل عززت قدراتها المؤسسية والإدارية، ووسعت أدوات المراقبة والسيطرة، كما طورت آليات أكثر تعقيدًا لإدارة التحديات السياسية والاقتصادية. وبرز هذا التحول بوضوح في دول نجحت في الجمع بين المركزية السياسية والنمو الاقتصادي والكفاءة الإدارية، وعلى رأسها الصين التي شكّل صعودها تحديًا لفكرة الربط الحتمي بين التحديث الاقتصادي والانفتاح السياسي.


تحولات الاستبداد في العصر الحديث

 


شهد العالم خلال العقود الأخيرة تغيرًا في طبيعة الأنظمة الاستبدادية. فبينما تراجع حضور الانقلابات العسكرية التقليدية والدول ذات الحزب الواحد، انتشرت أنظمة هجينة تحافظ على الانتخابات والمؤسسات الشكلية، لكنها تقلص تدريجيًا استقلال القضاء وحرية الإعلام والمنافسة السياسية الحقيقية.


وتظهر هذه الظاهرة في عدد من القوى الإقليمية والدولية. فقد حافظ الحزب الشيوعي الصيني على احتكاره للسلطة بالتوازي مع تحقيق طفرة اقتصادية هائلة، بينما رسخت روسيا نموذجًا يجمع بين رأس المال المرتبط بالدولة والأجهزة الأمنية والنزعة القومية. كما تواصل إيران الاعتماد على الشرعية الدينية، في حين تستند عدة دول عربية إلى أنماط حكم ملكية أو عسكرية بعيدة عن المساءلة الديمقراطية المباشرة.


ولا تقتصر هذه التحولات على الأنظمة التقليدية، بل تمتد إلى دول تجري انتخابات دورية. ففي بعض الحالات، تواصل الحكومات تنظيم الاقتراع مع فرض قيود متزايدة على المعارضة ووسائل الإعلام والمؤسسات المستقلة، الأمر الذي يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي مع الإبقاء على مظهرها الخارجي.


الديمقراطية والاستبداد بين الواقع والتصورات

 


ينتقد الكاتب النظرة التي تتعامل مع الديمقراطية والاستبداد باعتبارهما نقيضين منفصلين تمامًا، مؤكدًا أن السؤال الأهم يتعلق بمدى إمكانية تداول السلطة ومحاسبة الحكام بصورة فعلية. فوجود الانتخابات وحده لا يكفي إذا افتقرت المعارضة إلى فرص متكافئة أو واجهت ضغوطًا مالية وإدارية وقضائية تحد من قدرتها على المنافسة.


وتدعم مؤشرات الديمقراطية الحديثة هذا الطرح، إذ تظهر أن أشكال الاستبداد الأكثر مرونة وانتشارًا توسعت خلال العقود الماضية، بينما تقلصت بعض النماذج الاستبدادية الصلبة. كما تكشف البيانات أن نسبة كبيرة من سكان العالم تعيش تحت أنظمة حكم ذات طابع استبدادي بدرجات متفاوتة، في حين تتركز الديمقراطيات الراسخة في مناطق محددة مثل أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان وبعض دول المحيطين الهندي والهادئ.


وفي المقابل، تعاني مناطق واسعة من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا من هشاشة التعددية السياسية أو خضوعها لمصالح اقتصادية وسياسية راسخة، ما يجعل مسار التحول الديمقراطي أكثر تعقيدًا وتباطؤًا.


شرعية الأداء وتحديات المستقبل

 


يؤكد الكاتب أن كثيرًا من الأنظمة الاستبدادية تستمد جزءًا من شرعيتها من قدرتها على تحقيق الاستقرار وتوفير الخدمات العامة وتحفيز التنمية الاقتصادية. ففي بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أسهمت مشروعات البنية التحتية والتنويع الاقتصادي وتحسين الخدمات في تعزيز قبول المواطنين للنظام السياسي رغم غياب المؤسسات الديمقراطية الليبرالية.


لكن هذا النموذج، بحسب التحليل، يحمل تكاليف بعيدة المدى. إذ يؤدي اندماج السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية إلى تشويه الأسواق وإضعاف سيادة القانون وتحويل الامتيازات الاقتصادية إلى أدوات للولاء السياسي. وقد تحقق هذه الأنظمة معدلات نمو ملحوظة على المدى القصير، لكنها تضعف الثقة بالمؤسسات وتحد من استقلالية القطاع الخاص والابتكار الاقتصادي.


كما تبرز انعكاسات جيوسياسية متزايدة لهذا الاتجاه، حيث تتقارب بعض القوى الاستبدادية الكبرى في مواجهة النظام الدولي الليبرالي، حتى وإن ظل هذا التقارب قائمًا على المصالح المتبادلة أكثر من كونه تحالفًا أيديولوجيًا متماسكًا.


ويخلص الكاتب إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في انهيار الديمقراطية بصورة مفاجئة، بل في تحولها تدريجيًا إلى إجراءات شكلية تفتقر إلى التأثير الحقيقي. وفي المقابل، يواصل الاستبداد تعزيز قدرته على التكيف عبر توظيف الانتخابات والأسواق والخطاب القومي لخدمة استمراره. ولهذا السبب، لا يعود بقاؤه إلى الجمود، بل إلى مرونته المستمرة وقدرته على إعادة إنتاج نفسه في بيئات سياسية واقتصادية متغيرة.

 

https://dawnmena.org/autocracy-is-not-a-relic-of-the-past-it-is-increasingly-a-governing-model-of-the-present/